محمد بن زكريا الرازي
51
المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )
الطعام زائد الحرارة رديا أو كان من جنس البقول التي لم تنضج فيكون المرار الكراثي إذا لم تستمرأ هذه البقول في المعدة والهم والغم والغضب والتعب والسهر والجوع يكثر المرة الصفراء ويجمعها في الأبدان الحارة وأيضا فإن الأمر على ما قلناه مرة من أن تغير الطعام إلى المرار متى كان بسبب حارة نارية يابسة في المعدة كان صاحب تلك الحال يحسن استمراؤه للطعام الغليظ دون الخفيف وإن كان ا المرار إنما ينصب من الكبد فليس يعرض في الاستمراء كبير اختلاف بحال من الأحوال . فأما المرار الذي ينصبّ إلى قعر المعدة فإنه أن انصب إلى قعرها ولحقته حرارة مفرطة يرى شبيها كراثيا فإنما ذلك لنفاذ رطوبته التي كان لأجلها يرى أصفر ولاحتراقها وهذا السبب الذي كنّا وعدنا بذكره فتعميمه . وقد ذكر قوم أن سلطان الصفراء في المعدة لما ذكرناه من انصبابها إلى المعدة وأبى ذلك أخرون وقالوا : ليس كل الناس لمرارته مجرى إلى معدته على ما بينّاه وقد قال ذلك فريق من الذين ذكروا أن سلطان المرة الصفراء في المعدة فإنهم لما رأوا أدوار الحميات أكثر ما يخرج مرارهم فيها بالقيء وكذلك من اشتد جوعه علموا أن اندفاع ما يتولد في البدن من المرار أيضا يكون أكثره إلى المعدة فدّل ذلك على أن سلطانها في المعدة . وأنا أقول إنّ صاحب هذا القول يحتاج إلى أن يدلّ على أن الذي يتقيأ المحموم الذي ذكر هو شيء انصب إلى المعدة دون أن يكون تولد فيها ويدل مع ذلك على أن ما انصبّ إليها هو أكثر مما ينصب إلى سائر البدن وأنها أولى موضع بانصباب المرار وأخصه . فأما أنت فافهم المعاني ودع الأسماء لأهل المشاغبة . [ 8 - وقد كنّا ذكرنا أن من الأعضاء التي تنقي الدم الكليتان ] 8 - وقد كنّا ذكرنا أن من الأعضاء التي تنقي الدم الكليتان وأنهما يجتذبان ما فيه من المائية إذا صار إلى العرق الأعظم الذي كنّا ذكرناه وإنما احتيج إلى الماء قبل ذلك ليرق الغذاء حتى ينفذ في العروق الدقاق التي من دون الكبد إلى جوف الكبد . فإذا صار الدم إلى العرق